ArticlesSociety & Culture

عندما يعلق وجهك في الشاشة

تأمل في أثر الأجهزة على العلاقات الإنسانية، وكيف تسلل الانشغال بالشاشات إلى أبسط لحظات القرب بين الناس.

3 min

قد يكون هذا حال كثير من المحطات التي نمر بها في حياتنا.

فقد تتحدث مع شخصك المفضل وقت أن تحتاجه، فتجده غارقًا في شاشته، لا يكاد يرفع وجهه عنها. وليس فقط شخصك المفضل، فربما تتحدث مع أخيك، فتجده ممسكًا بالهاتف يبحث عن شيء، أو أنه فقط يمرر إصبعه إلى أعلى بين مقاطع الريلز. ولكن، ما أثر هذا؟ ولماذا يحدث؟

لشخص مثلي، لا يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يقضي وقته بين التطبيقات، قد يبدو هذا في البداية نوعًا من الوقاحة.

ولكن، في الحقيقة، بدأت أشعر أنه ليس وقاحة بقدر ما هو شيء آخر.

إنني أشعر بنوع من الشفقة.

أدرك تمامًا ما نحن فيه، وأدرك الزمن الذي نعيش فيه، حيث أصبحنا محاطين بالتكنولوجيا من كل جانب. ولست بعيدًا عن هذا العالم، فأنا مهندس ذكاء اصطناعي، وربما لهذا أعرف أكثر من غيري كيف صُممت هذه التقنيات لتجذب الانتباه وتحتفظ به.

ولهذا بدأت أنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة.

لم أعد أراه مجرد سوء أدب.

بل أكاد أجزم أنه ليس بعيدًا عن الإدمان.

لقد أصبح منح بعضنا بعضًا وقتًا خالصًا في هذا الزمن أمرًا بالغ الصعوبة.

وبينما أحدثكم الآن، هناك من يجلس على هاتفه، وآخر أمام حاسوبه في الجهة الأخرى. وإن اختلفت لغاتنا، فهو لا يعلم ما أقول، ولا يعير ما حوله انتباهًا من الأساس.

أتعرفون لماذا؟

لأنه منشغل.

منغمس في عالم لا يتجاوز المسافة بين عينيه والشاشة التي أمامهما.

وكما تقول الحكمة:

ما كان أمام عينيك باستمرار، صار أمام عقلك باستمرار.

لقد أحكم هذا الجهاز قبضته على انتباهه، حتى أصبح يستحوذ على معظم تفكيره.

ولكن الفكرة ليست هنا.

الفكرة هي:

هل ما زلنا في هذا الزمن قادرين فعلًا على إنشاء علاقات طبيعية؟

لقد بدأت أشك في ذلك.

بل صرت أشك في وجود علاقة إنسانية طبيعية تمامًا بين شخصين في هذا العالم.

وأدرك أن هذه قد تكون حقيقة صادمة، وربما يراها البعض مجرد ترهة ألقيت بها.

ولكن ما أدركه يقينًا هو أن هذه المشكلة تحتاج إلى حل.

فإن أصبح هذا حال كل علاقة، بين الأخ وأخيه، وبين الزوج وزوجته، وبين الصديق وصديقه، فلن تستمر العلاقات طويلًا.

أو ربما تستمر…

ولكنها تتحول إلى علاقات أشبه بالأشباح.

يعرف أصحابها بعضهم بعضًا، لكنهم لا يلتقون إلا في تحية الصباح، أو سؤال عابر، أو رسالة مقتضبة قبل النوم.

أحدثكم وأنا في بلية من هذا الأمر.

ولست بعيدًا عنه.

ورغم أنني بعيد عن وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الآفة لا تحتاج إلى فيسبوك، أو إنستغرام، أو تيك توك، أو غيرها.

إنها تحتاج فقط إلى الجهاز نفسه.

أنا لا أقول إن الإدمان هو إدمان تطبيق بعينه.

بل قد يكون إدمان النقر.

إدمان التنقل.

إدمان أن تبحث عن شيء، ثم تجد نفسك بعد دقائق لا تعرف أصلًا كيف وصلت إلى ما تراه الآن.

إن العقل لا يكون حينها هو الذي يقود.

بل الإصبع.

أتمنى من كل قلبي أن نجد حلًا لهذا.

وأتمنى أن أستطيع يومًا أن أقول لنفسي: لدي وقت أقضيه مع هذا، ومع ذاك، دون أن ينتزعني جهاز من بينهما.

ولكنني ما زلت في دوامة الانشغال.

أحتاج هذا الحاسوب للدراسة.

وأحتاجه لتطوير عملي.

وأحتاجه لأتعلم.

ولكن…

لقد أصبحت أطور عملي بينما أتحدث إلى أحد.

وهنا كانت الصدمة.

إنني الشخص نفسه الذي كان يقول إن هذا نوع من الوقاحة.

فكيف انتهى بي الأمر إلى أن أفعله أنا أيضًا؟